الشنقيطي
111
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ذلك ، ويروى مثل قول أبي حنيفة عن عطاء . * * * المسألة السادسة : إذا قتل المحرم الصيد مرة بعد مرة ، حكم عليه بالجزاء في كل مرة ، في قول جمهور العلماء منهم مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة وغيرهم ، وهو ظاهر قوله تعالى : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً [ المائدة : 95 ] الآية ، لأن تكرار القتل يقتضي تكرار الجزاء ، وقال بعض العلماء : لا يحكم عليه بالجزاء إلا مرة واحدة : « فإن عاد لقتله مرة ثانية لم يحكم عليه ، وقيل له : ينتقم اللّه منك » ، لقوله تعالى : عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ [ المائدة : 95 ] ، الآية . ويروى هذا القول عن ابن عباس « 1 » ، وبه قال الحسن ، وإبراهيم ، ومجاهد ، وشريح ، كما نقله عنهم القرطبي ، وروي عن ابن عباس أيضا أنه يضرب حتى يموت . * * * المسألة السابعة : إذا دل المحرم حلالا على صيد فقتله ، فهل يجب على المحرم جزاء لتسببه في قتل الحلال للصيد بدلالته له عليه أو لا ؟ اختلف العلماء في ذلك ، فذهب الإمام أحمد ، وأبو حنيفة إلى أن المحرم الدال يلزمه جزاؤه كاملا ، ويروى نحو ذلك عن علي ، وابن عباس ، وعطاء ، ومجاهد وبكر المزني ، وإسحاق ، ويدل لهذا القول سؤال النبي صلى اللّه عليه وسلم ، أصحابه ، « هل أشار أحد منهم إلى أبي قتادة على الحمار الوحشي » « 2 » ؟ فإن ظاهره أنهم لو دلوه عليه كان بمثابة ما لو صادوه في تحريم الأكل ؛ ويفهم من ذلك لزوم الجزاء ، والقاعدة لزوم الضمان للمتسبب إن لم يمكن تضمين المباشر ، والمباشر هنا لا يمكن تضمينه الصيد ؛ لأنه حلال ، والدال متسبب ، وهذا القول هو الأظهر ، والذين قالوا به منهم من أطلق الدلالة ، ومنهم من اشترط خفاء الصيد بحيث لا يراه دون الدلالة ، كأبي حنيفة ، وقال الإمام الشافعي وأصحابه ، لا شيء على الدال . وروي عن مالك نحوه ، قالوا : لأن الصيد يضمن بقتله ، وهو لم يقتله وإذا علم المحرم أن الحلال صاده من أجله فأكل منه ، فعليه الجزاء كاملا عند مالك ، كما صرح بذلك في موطئه ، وأما إذا دل المحرم محرما آخر على الصيد فقتله ، فقال بعض العلماء : عليهما جزاء واحد بينهما ، وهو مذهب الإمام أحمد ، وبه قال عطاء ، وحماد بن أبي سليمان كما نقله عنهم ابن قدامة في [ المغني ] ، وقال بعض العلماء : على كل واحد منهما جزاء كامل ، وبه قال الشعبي ، وسعيد بن جبير ، والحارث العكلي ، وأصحاب الرأي ، كما نقله
--> ( 1 ) أخرجه عن ابن عباس ابن جرير الطبري في جامع البيان 7 / 39 . ( 2 ) سبق تخريجه .